شعر

قصائد ما بعد السجن- ناظم حكمت

ناظم حكمت ران (1902 – 1963) شاعرٌ وروائيٌ وكاتبٌ مسرحيٌ تركيٌ شيوعي عارض الإقطاعية التركية وشارك في حركة أتاتورك التجديدية ولكن بعد ذلك عارض النظام الذي أنشأه أتاتورك فسُجن لأكثر من 13 سنة، ثم في عام 1950 أُخرج من السجن بعد ضغطٍ عالمي، ففرَّ إلى الاتحاد السوفيتي (وقيل إنه نُفي) وفي عام 1951 سُحبت منه الجنسية التركية بقرار من مجلس الوزراء التركي، ثم منحته بولندا جنسيتها، وكذا مُنِح جائزة السلام الدولية مع الشاعر التشيلي بابلو نيرودا. بقي ناظم مقيماً في الاتحاد السوفيتي حتى توفي عام 1963 في موسكو، وفي عام 2009 أي بعد حوالي 46 عاماً من وفاته أعيدت له الجنسية التركية بقرار من مجلس الوزراء التركي.

قصائد ما بعد السجن

يوم الأحد

ها هو يوم الأحد

اليوم ولأول مرةٍ يخرجونني إلى الشمس

وأنا ولأول مرةٍ في عمري

تبدو لي السماء بعيدة عني كل هذا البعد

وبهذه الزرقة الرهيبة

وقفت في مكاني بلا حراكٍ منتصباً مدهوشاً من شدة اتّساعها

ثم جلست بإجلالٍ على التربة

وأسندت ظهري للجدار

وها أنا ذا الآن لا أود أن أغرق مفكراً بأي نزاعات

ولا بالحرية ولا حتى بزوجتي

وها هي رائحة التربة، والشمس، وأنا

أنا … آهٍ كم أنا محظوظ

………………………..

يقظة

ها قد صحوتَ

وجدران البيت تحيطك

وكأنك لم تعتد بعد

أن تصحو في بيتك

إنها واحدةٌ من آثار السجن

لثلاث عشرة سنة.

ومن ذي الراقدة بقربك؟

ليست أطياف الوحدة

إنما هي زوجتك

تغفو كملاك

يليق بها بطن الحبالى.

كم الساعة؟

ثمانية؟

يعني ذلك أنكما في مأمن

حتى الليل

فمداهمة البيت صباحاً

ليست من أعراف الشرطة.

…………………………..

نزهةٌ مسائية

ها قد خرجتَ من السجن

وما إن خرجت

حتى باتت زوجتك حبلى

وها أنت تشبك ذراعكَ بذراعها 

وتجوبُ وإياها أزقة الحي مساءً

وها هو شامخٌ بطنُ زوجتك

يسمو متبختراً بحملهِ المبارك

وأنت بجانبها مزهوٌ مهيب

وثمةَ نسماتٌ رطبة

تبدو كأيادي الأطفال

حين يعتريها بردٌ شديد

يخطر في بالك

أن تضمها بين كفيك لتدفئها

وأمام باب الجزار

تبدو قطط الحي رابضة

  

ومن الطابق العلوي          

سيدةٌ بشعرها المجعد

تحطُّ بأثدائها على حافة النافذة                                                                    

متأملةً في المساء

وسمائهِ البراقة الصافية

يتوسطها نجم الراعي*

ككأس ماءٍ لامعة

خيّمَ الصيفُ طويلاً هذا العام

بشمسهِ الحارقة

فيبست أشجارُ التوت

وظلت أشجار التين وارقة

وها هو المتأنق (رفيق)

مع ابنة (يورجي) بائع الحليب

يمضيان إلى السوق المسائي

متعانقي الاصابع

وها هو يُنار

مصباح البقال الأرمني (كارابيت)

الذي لم يسامح بعد

من قتلوا والده على جبل الأكراد

إلا أنه يحبك، لأنك أنتَ أيضاً

لم تسامح بعد

من لطّخوا جبين الشعب التركي بالسواد

وها هم المنهكون

منكبّونَ على أسرتهم

يتأملونَ الحياة

من خلف نوافذهم

وها هو ابنُ (حورية) الصباغة

عاطلٌ عن العمل

متجهاً إلى المقهى

وفوق كتفه حزنٌ جلل

وها هو مذياع السيد (رحمي)

يصدحُ بالأخبار

أن رجالاً في إحدى بلاد آسيا

وجوههم كَصُفرةِ الاقمار

تمردوا على تنينٍ أبيض

فاقتيدَ أربعة آلافٍ

من إخوتكَ في الجيش التركي

ليذبحوا إخوتهم هناك

وها هو خجلاً غضباً محمرٌ وجهك

غضبٌ تتفردُ به

حزنٌ مغلولٌ بذراعك

وها هم وكأنهم دفعوا من الخلف زوجتك

فهوت وأسقطت طفلك

وها أنت كما لو أنك مرةً أخرى في سجنك

وترى بعينيك سجانين قرويين

يوسعون ضرباً سجناء قرويين.

وفجأةً … يُطبق الليل

وتنتهي النزهة المسائية

وعربة الأمن تحوط زقاق دارك

فتهمس زوجتك:

هل يا ترى يقصدونك؟؟

…………………………

*نجم الراعي: تسمية بعض أهل الريف لكوكب الزهرة

…………………………

الواحدة صباحاً

على مفرش الطاولة الأزرق

ها هي كتبنا واقفة

وعلى أغلفتها ترتسمُ 

ابتسامة صريحةٌ شجاعة.

وها أنا قد عدتُ

من الأسر يا أمي

عدتُ من قلعة العدو

القابعة في بلادي.

الساعة الواحدة صباحاً

ولم نطفئ المصباح بعد.

وترقد بجانبي زوجتي

حاملٌ بشهرها الخامس.

يلامس جلدي جلدها

ويدي على بطنها

متحسساً حركة طفلنا الفوضوية

فكما تتدلى الورقةُ من الغصنٍ

وتسبح السمكة في البحر

يتعلق الجنين في الرحم.

صغيري…

يا من نسجت له أمه

من الصوف ملابسَ وردية

طولها بطول قبضة يدي

وأكمامها كندفة ثلج.

صغيري…

أرجو إن كان فتاةً

أن تشبه أمها

من رأسها حتى قدميها

لتحدق بي بعينين عسليتين.

ولكم أتمنى إن كان فتى

أن يشب بمثل قوامي

ويرمقني بعينين زرقاوين.

صغيري…

أتمنى إن كان فتى ألا يموت صغيراً

بعمر العشرين محارباً على الجبهات

وإن كانت فتاةً ألا تموت 

ليلاً ببطن الملاجئ

صغيري…

سواءً كان فتىً أو فتاةً

وأياً كان عمره

لا أريد له أن يرمى في السجن

لوقوفه بجانب السلام والجمال والعدالة.

ولكن لا جدال يا بنيتي أو يا بني

إنك حين تكبر ستحارب سراباً

وفي هذه البلاد تحديداً

تبدو شاقة جداً هذه المهنة

أعني مهنةُ الأبوة.

الواحدة صباحاً

ولم نطفئ المصابيح بعد.

ربما بعد نصف ساعة

أو قبيل الصبح

سيقتحم رجال فرع الأمن السياسي داري

ليقتادوني ويصادروا كتبي

وحين يحيط بي الرجال

سألتفت للخلف

لأرى زوجتي

واقفةً على عتبة الباب،

وبفعل نسمات الصباح

يتطاير فستانها الفضفاض

وداخل حملها الثقيل

يعبث طفلنا المشاغب.

……………………….

كلانا

كلانا يا حبيبتي يدري

أنهم قد عوّدونا على الرضوخِ

للجوعِ والبردِ والتعب القاتل.

وأن نُقاطِع بعضنا البعض.

لكننا لم نرضخ للموت بعد

ولم نقتنع بالقتل.

وكلانا يا حبيبتي يدري

أنه بإمكاننا أن نعوّدهم

على أن نكافح من أجل شعبنا

وأن نعيش الحب دوماً بصفاءٍ وإخلاص

……………………….

توصياتٌ للقابعِ في السجن

لأنك لم تفقد الأمل،

من العالم والوطن والإنسان،

فإن لم يعدموك، وزجوك داخل السجن

لعشر أو خمس عشرة سنة

أو ربما مدة أطول؛

فلا تقل: ليتني أتدلى من الحبل

كعلمٍ أو كراية،

بل قاوم هذه الحياة.

ربما لم تعد مطالباً بالابتهاج،

إنما عليك أن تعاند عدوك

حتى الرمق الأخير.

ولكَ أن تجلس وحيداً

في إحدى زوايا الزنزانة

كما لو أنك حجرٌ في قاع بئر.

بينما في الزاوية الأخرى

انخرط في صخب الحياة

وارقص على نغماتها العشوائية،

طالما ثمة عشبٌ يتمايل خارج الزنزانة.

انتظارُ الرسائلِ من داخل السجن

والشدو بالأغنيات الشعبية الشجية

والتحديق بالسقف صباح مساء

أشياءٌ حسنةٌ لكنها خطيرة.

تمعّن ملياً في وجهك بعد الحلاقة

وانسَ عمرك والزمن،

وقِ نفسك من القمل

ومن مساءات الربيع.

ولا تنسَ يوماً أن تكمل خبزك

حتى اللقمة الأخيرة،

وأشبع شفتيك دوماً بالابتسامةِ

فمن يدري ربما المرأة التي أحببتها

لم تعد تحبك،

لا تقل هذه مشكلةٌ بسيطة،

فهي للرجال داخل السجن

تبدو كأن غصناً أخضراً غضاً قد كُسِر.

التفكير بالحدائق الغناء

أمرٌ سيءٌ داخل السجن،

أما التفكير بالبحار والجبال

فأمرٌ طيبٌ حسن.

وعليك بالقراءة والكتابة

بشراهةٍ دون توقف،

وكذا أوصيك بفن النسيج

وصنع المرايا

فلو حُبستَ

لعشر أو خمس عشرة عام،

وحتى لو طالت المدة أكثر

لا تقل لن تمضي السنون،

بل ستمضي

يكفي ألا تُطبِقَ الظُلمَةُ

على الجوهرة القابعة خلف أضلاعك

……………………….

ولادة

وهبت لي زوجتي طفلاً

بحاجبين أملسين أشقرين

يرقد في دثارٍ أزرقٍ

كفانوسٍ صغيرٍ مضيء

يومَ وُلِدَ طفلي

وُلِدَ أطفالٌ في كوريا

وجوههم كزهرة دوار الشمس.

انقضَّ عليهم ماك آرثر*

فقتلهم قبل أن يشبعوا من حليب أمهاتهم.

يومّ وُلِدَ طفلي

وُلِدَ أطفالٌ في سجون اليونان

أُعدِمَ آباؤهم رمياً بالرصاص

فكان أول ما رأوه على هذه الأرض

قضبان السجن الحديدية.

يومّ وُلِدَ طفلي

وُلِدَ أطفالٌ في الأناضول،

كانوا أطفالاً بعيونٍ زرقاء وسوداء وعسلية

لكن القمل داهمهم فور ولادتهم

فلا يُعرفُ كم منهم

شاءت له المعجزة أن يبقى حياً.

يومّ يصبح طفلي بمثل عمري

لن أكون حياً على هذه الأرض،

لكن الأرض ستكون مهداً مريحاً

للأطفال السود

والبيض

والشقر

ستكون مهداً أزرقاً حانياً

تهدهد كل أطفال العالم.

………………………..

*ماك آرثر: أو دوغلاس ماكرثر، هو جنرال أمريكي شارك في الحرب الكورية (1950 – 1953) كقائدٍ عسكري، يُذكر أن الحرب بدأت بهجوم كوريا الشمالية (الواقعة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي) على كوريا الجنوبية، وكان النزاع ما بين الأطراف الشيوعية (كوريا الشمالية، الاتحاد السوفيتي والصين) من جهة، وأمريكا وبريطانيا وكوريا الجنوبية من جهة. وقد شاركت تركيا (بلد الشاعر) في هذه الحرب بإرسال أكثر من 5000 وحدة عسكرية، بدأت الحرب عام 1950 أي في ذات العام الذي خرج فيه ناظم حكمت من سجنه في تركيا ثم فراره إلى الاتحاد السوفيتي.

………………………..

الطفلة

أنا من يطرق الأبواب

واحداً تلو آخر،

لكنني لا أتراءى أمام أعينكم؛

فالموتى لا يُرَون،

أولئك الذين قضوا في هيروشيما،

يحدث ذلك مرةً كل عشر سنوات.

أنا طفلةٌ في السابعة من عمرها؛

فالموتى لا يكبرون.

أولاً طالت النار خصلات شعري

وزحفت لعينيَّ حتى قّلّتها

حتى بتُّ حفنةً من رماد

تناثرت مع الرياح.

لا أريد منكم شيءاً

ولا حتى قطعة حلوى؛

فلا يستطيع الطفل

المتوقد كالجمرة أكلها.

ها أنا ذا أطرق أبوابكم،

أيها العم وأيتها الخالة

هلَّا عارضتم قتل الأطفال؛

ليتذوقوا قطعةً من الحلوى.

…………………………..

للأطفال

لنمنح العالم بأسره للأطفال

فإن لم يكن

فيوماً واحداً نَهَبُهُ لهم

كبالونةٍ زاهيةٍ ليمرحوا بها

بينما يغنون أغانيهم الشعبية

بين أسراب النجوم

لنمنح العالم للأطفال

كتفاحةٍ عظيمة

أو كخبزةٍ ساخنة

فإن لم يكن

فيوماً واحداً يشعرون فيه بالشبع

لنمنح العالم للأطفال

حتى وإن كان يوماً واحداً

لكي يتعلموا فيه كيف يصاحبون العالم

فسيأخذ الأطفالُ العالم من بين أيدينا

ليغرسوه شجرةً أبديةً خالدة

…………………………….

صيفُ موسكو

خلعتُ فكرة الموت من عنقي

وارتديتُ أوراق أشجار حزيران الشامخة على طول الطريق

فأوراق أيّار تبدو أكثر نضرةً مني.

انتظرني يا صيف موسكو مع حصواتك واسفلتك الملتهب

انتظرني مع مثلجاتك ومشروباتك الغازية

وقاعات السينما الطافحة برائحة العرق وممثلوها المحليون

انتظرني وسيارات الأجرة المرتقِبَة لأيام مباريات كرة القدم العظيمة

انتظرني مع أشجار متحف هيرميتاج التي ظننّا أوراقها مصابيحَ كهربائية

انتظرني مع قصائدي التي سألقيها من على الشرفات

انتظرني بشعركَ الذهبي المقصوص قصيراً كالقشّ بعد الحصاد

فأنا قد خلعتُ فكرة الموت من عنقي

وارتديتُ أوراق أشجار حزيران الشامخة على طول الطريق.

ترجمة: عمير الأحمر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى