انطباعاتعاممقالات

عملك، ماهيتك- توني موريسون

احتياج والدي إلي كان مسرة بليغة. فلم أكن كالأطفال في الحكايات الشعبية، محض عبء يشغلهم بمأكله ومشربه.

ترجمة نورة العمرو

Illustration by Christoph Niemann

كل ما كان علي فعله تنظيف منزلها لبضع ساعات بعد المدرسة مقابل دولارين. كان منزلاً جميلاً أيضاً، بأريكة وكراسي مغطاة بالبلاستيك وسجادة بيضاء زرقاء تمتد من الحائط إلى الآخر، وموقد من المينا الأبيض وغسالة ومجفف – أي أشياء شائعة في حيها ولم تتوفر في حيي. في أثناء الحرب، كان لديها زبدة وسكر وشرائح لحم وجوارب نسائية ذات الدرزة الخلفية.

كنت أعرف كيف أفرك الأرضيات على ركبتي وكيفية غسل الملابس في حوض الزنك لدينا، لكنني لم أر مكنسة كهربائية أو مكواة لم تسخن بالنار مسبقاً قط.

كنت فخورة بخدمتها لكسب المال الذي يمكنني من تبديده على الأفلام والحلوى وكرات المضرب والرافعات والبوظة. لكن الأحق فخراً هو حقيقة أني كنت أعطي أمي نصف كرائي، مما يعني أن بعضه كان يستخدم للضروريات الفعلية كدفع بوليصة التأمين أو رد مستحقات بائع الحليب أو بائع الثلج. كان احتياج والدي إلى مسرة بليغة، لم أكن كبقية الأطفال في الحكايات الشعبية محض عبء يشغلهم بمأكله ومشربه. علل يجب تهذيبها، وعبارة عن مشاكل مهولة إلى درجة استحقاقهم الهجر في الغابة. كانت لي نظرة أن تدبير أمور المنزل الروتينية تنالني ابتسامة تدريجية وإيماءة استحسان من الراشدين. تأكيداً بكوني ناضجاً لا طفولياً.

في الأربعينيات، لم يكن الأطفال محبوبين فقط بل كانت هناك حاجة ماسّة لهم. حيث أن بإمكانهم كسب المال ورعاية الأطفال الأصغر سناً منهم والعمل في المزرعة ورعاية القطيع وأداء المهام وكثيراً غير ذلك. لا أتصور أنهم في الوقت الحالي مطالبون بكل ذلك. بل هم الآن محببين ومدللين، محفولين ومكفولين. حسناً، لا بأس بذلك، ولكن….

شيئاً فشيئاً، برعت في تنظيف منزلها، بما يكفي لتفويضي بقدر أكبر من الأعمال. أمرت بحمل خزائن الكتب إلى الدور العلوي وفي مرة ​​أمرت بنقل البيانو من جانب إلى جانب آخر. سقطت وأنا أحمل خزائن الكتب. وآلمتني ذراعي وساقي بشدة بعد دفع البيانو. أردت أن أرفض أو أن أشتكي على الأقل، لكنني خشيت أن تطردني وأن أفقد الحرية التي منحني إياها الدولار، وكذلك المكانة التي كنت أملكها في المنزل – على الرغم من تآكلهما ببطء. بدأت بعرض ملابسها لي مقابل ثمن. أعجبت بهذه الأشياء البالية التي بدت ببساطة رائعة بالنسبة إلى فتاة صغيرة لم يكن لديها سوى فستانين للمدرسة فقط، اشتريت بعضاً منهم. حتى سألتني والدتي إذا كنت أرغب حقًا بالعمل من أجل ملابس رثّة. لذلك تعلمت أن أقول “لا، شكراً” مقابل سترة باهتة بثمن أجرة ربع أسبوع.

ومع ذلك كان لدي صعوبة في استجماع الشجاعة لمناقشتها أو للاعتراض على مطالبها المتزايدة. وكنت أعلم أني إذا ما لم أخبر أمي بمدى تعاستي فستأمرني بالاستقالة. في أحد الأيام كنت وحدي في المطبخ مع والدي زلت مني كلمات تذمر عن العمل. أعطيته بعض التفاصيل والأمثلة التي تضايقني، وبالرغم من أنه أنصت باهتمام إلا أني لم أرَ أي تعاطف في عينيه.  ولم يقل “أوه، يا لك من مسكينة.” حتى، ربما أدرك أن ما أردته هو حل للوظيفة وليس مهرباً منها وعلى أي حال، وضع كأس القهوة وقال: اسمعي. أنتِ لا تعيشين هناك بل هنا، مع عائلتك. اذهبي إلى العمل واكسبي قوت يومك، ثم عودي للمنزل.

هذا ما قاله وما سمعته:

١.مهما كان عملك شاق، أده بإتقان من أجل نفسك لا من أجل رئيسك.

٢.أنت من تصنع العمل، العمل لا يصنعك.

٣.حياتك الحقيقية معنا، مع عائلتك.

٤. عملك ليس ماهيتك، أنت ما أنت عليه بطبيعتك

لقد عملت مع شتى أنواع الناس منذ ذلك الحين، العباقرة والسفهاء، أصحاب الدهاء والمملين، وسيعي الصدور وأضيقهم. لقد حصلت على العديد من الوظائف، ولكن منذ ذلك الحوار مع والدي، ما رأيت أن العمل مقياساً لقيمتي، ولا جعلت الوظيفة أهم من أسرتي قط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى